fannansat


 
الرئيسيةتسجيلالتسجيلدخول
من الساعة 8 صباحا الى 23:00 مساء سيرفر المنتدى مجاني FreeCCcam الهوست :192.168.75.132 Port:-19000 User : freeuser Pass : freepass

شاطر | 
 

 شعر الأطفال والتراث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
yahiam2003
عضو اداري
عضو اداري
avatar

البلد : مصر
عضوية رقم : 9100

نقاط التميز نقاط التميز : + 300
+ 100

عدد المساهمات : 3818
احترامك لقانون المنتدى :


مُساهمةموضوع: شعر الأطفال والتراث   28/2/2010, 20:15

شعر الأطفال والتراث






في الأدب والفن. يتّفق النقاد والمبدعون – في الشرق والغرب – على المكانة
الكبيرة للتراث، وقد كان للعرب نظراتهم التقديرية لتراثهم، الذي يحمل في
ثناياه أسباب بقائه، وعوامل خلوده. على الرغم من ظهور اتجاهات ومذاهب شتى.
تتصف مقوّماتها بكل سمات الجدّة والطرافة والإثارة



ولعل من بين أسباب هذا البقاء والخلود، ما يتضمّنه هذا التراث من الأبعاد
الإنسانية والقيم الرفيعة التي تجاوز حدود الزمان والمكان، وما يفيض عن
شمائل الأمة الخلقية، وعقيدتها الروحية المحدّدة بأطرها المعهودة.





إن التراث العربي، جزءٌ كبيرٌ وعريضٌ من التراث الإنساني العام للبشرية
على مرّ العصور. يصوّر عالماً عاش فيه الأجداد، وجسّده المفكرون والمبدعون
في أشكالٍ وصورٍ تعبّر عن مجتمعاتهم وأحلامهم وأوهامهم وأشواقهم الواعية
والخيالية، ونظراتهم للكون والإنسان والحياة، ورؤيتهم للحق والخير
والجمال.





وعلى الرغم من تطاول العهد، فإن هذا التراث ظلّ محتفظاً بزخمه الفكري
ووهجه الحضاري، محافظاً على القيم الجمالية التي يزخر بها، متميّزاً بها
عما سواه من آداب الأمم الأخرى، فالشجاعة والمروءة وإغاثة الملهوف وقرى
الضيف، وسوى ذلك، ثَبُتَ أنها أخلاقٌ عربية كريمة، حين أقرّتها العقيدة
الإسلامية وعمل بها الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم،
وأوصى أصحابه بها، وقد ورد في الأثر النبوي الشريف " إنما بُعِثتُ
لأُتَمِّمَ مكارمِ الأخلاق ".





ولكن على الرغم من دراستنا لهذا التراث، واعترافنا بمكانته وقيمته الكبرى،
فإننا لم نحاول تبسيطه أو تقريبه من الأطفال، للوقوف الأوَّلي على معطياته
القومية والخلقية والإنسانية، ومن ثم تمثّله، لمتابعة السير على الطرق
التي شقّها الآباء والأجداد، بغية الوصول إلى الهدف المنشود المتمثّل في
تحصين جيل هذه الأمة من هجمات الغزو الفكرية، والاختراقات الفادحة التي
أحدثها الأعداء في جدران البيت العربي، والتي باتت من الخطورة بمكانٍ.
بحيث تستوجب صحوةً فكريةً وخلقيةً ودينيةً، تُبعد عن العيون هذا الكرى
الذي يجعلها تستكين إلى ما تتلقّاه من منتجات الحضارة الصناعية الغربية
المخدّرة.





والطفولة – أدبياً - كانت غائبةً عن الماضي وآدابه، وما وُجد من أثرٍ
عارضٍ عن الطفل إنما كان من منظور الراشدين الذين نظروا إليه باعتباره
(طفلاً راشداً) أو (رجلاً صغيراً) تريد القبيلة منه أن يترعرع وينشأ
سريعاً لينضمّ إلى صفوف الفرسان المدافعين عن حمى القبيلة، أو هو كما يقول
" عمرو بن كلثوم " في معلّقته :


إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌ تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا


ويُرجِع الدارسون بعض أسباب غياب الطفولة عن التراث، إلى أن الظروف
الموضوعية آنذاك، لم تكن مؤهّلةً لظهور هذه الطفولة، وتخصيصها بجزء من
الأدب والفكر، وهذا أمرٌ بدهي، لأننا كي نتحدث إلى الطفولة، لا بدّ لنا من
الوقوف على خصائصها النفسية، ومعرفة مفرداتها اللغوية، وحاجاتها التربوية،
وهذا مستحيلٌ في زمنٍ، لم يقم فيه نظامٌ تعليميٌ تربويٌ، تُقاس بمعاييره
الاعتبارات الطفلية، وفي ظلّ سيادة أميةٍ عامةٍ شاملةٍ، وأن ما ورد من
ألفاظ (الغلمان، والفتية، والصبيان، والطفل، والرضيع، والفطيم، والبنات)
إنما كان معظمه في التفاتة الشعراء إلى هذه الشريحة المهملة، عند وفاةٍ
ويتمٍ، أو عند ذهاب أبٍ إلى الحرب، فتتعلّق البنات بثيابه... وكثيراً ما
تدور هذه الالتفاتة حول الرثاء و الشفقة والوصية... أو المباهاة بكثرة
الولد... وفي بعض الأحيان، حول العقوق و نكران الجميل .





قد لا يهمّنا الآن في هذه الإطلالة، هذا الأمر، لأننا حين نتحدّث عن
التراث، وما يخصّ الأطفال منه. نعني قبل كل شيءٍ إطلاع الأطفال على هذا
التراث، وما يحتويه من مثلٍ وقيمٍ إنسانيةٍ وخلقيةٍ وقوميةٍ، وفصاحةٍ
وبلاغةٍ، وموسيقا وغناءٍ وأخيلةٍ، لتظلّ صلة الوصل قائمةً بين أجيالنا
الراهنة، وبين ماضينا الذي نتشرّف بالانتماء إليه، وليتذوّق الأطفال هذا
التراث، فيدركون قيمه إدراكاً حقيقياً. يجعلهم يشعرون به شعوراً ذاتياً
مباشراً، ومن ثم يتلمّسون بأنفسهم تلك الرابطة الوجدانية، التي تجذبهم
إليه، وتَمَثُّـلُه، والاندماجُ فيه بصورةٍ حميمية، والوصول إلى قناعةٍ
طفليةٍ مفادها : أن في تراث الأجداد تتحقّق متعة الاكتشاف والإثارة معاً.





ولعل تمثّلَ الأطفال للجانب الشعري أمرٌ ليس سهلاً على للكاتب والطفل،
بينما يبدو النثر أسهل منه بكثيرٍ، لأن الكاتب يمكنه تبسيطُ القصص
التاريخية، وقصص الأمثال والأساطير والحكايات، التي يُقبِل عليها الصغار
ويستمتعون بسردها النثري، بينما ينأى الشعر عن سهولة التبسيط، والتقريب و
التلخيص.



ولكن. لماذا نركّز على التراث في هذا الزمن، الذي نتلقى فيه أمواجاً
كاسحةً من الثقافات الوافدة كل يوم ؟. . وهل الإلحاح عليه يوقعنا في نطاق
النظرة التقديسية التي تجعلنا لا نقيم كبير وزنٍ أو اعتبارٍ لأدبٍ سواه ؟.





لا يمكن أن ننكر أنه لا مجال الآن للاسترسال مع هذين التساؤلين، وإعطاء
التراث قدراً فوق ما تحتمل الطفولة الغضّة، والتأثّر بالوجدان القومي الذي
يضفي على الأمة، وماضيها الحيّ صفة القداسة المطلقة، ولكننا في الوقت
نفسه، لا ننقص من قيمته. نظراً لما يضمّ من تاريخنا الفكري والثقافي، في
الشعـر والحكمة والدين الحنيف، ولأنه يضع بين أيدي الدارسين فلسفةً خاصةً
للحياة، تحدّد الغرض منها، وتكسبها معنى معيّناً، وتجعل لها هدفاً محدّداً
تسعى إليه .





إننا حين نقول : إن التراث يضمّ مجموعةَ قيمِ الأمة، نعني بذلك أنه يدعو
إلى الالتزام بقواعد معينةٍ من السلوك الإنساني، وقد يرى بعضنا فيه شيئاً
من التعارض بين الأصالة والتجديد، لكن الضرورة تقتضي منا – ونحن نعيش
عصراً تقنياً – إيجاد صفةٍ وصيغةٍ توفيقيةٍ بينهما، تكفل" الاتزان، وذلك
ببناء الجديد على أساسٍ من القديـم " لأن لكل عصرٍ أدواته وأساليبه، ولكنّ
ثمة شيئاً مشتركاً بين حاضر الأمة، وماضيها، يتمثّل في الذاكرة الحضارية،
وعن مثل هذا قال الناقد الإنكليزي : ت. س. إيليوت : " إن الفن الرفيع يجب
أن يكون تهذيباً للتراث، وللفن الشعبي، ولا يقف منه موقف معارضة " وقد كان
شكسبير يرجع إلى الأساطير القديمة، ويخرجها في حللٍ جديدةٍ تتمثّل في
مسرحياتٍ غدت من روائع الأدب الإنساني .





ومن مزايا التراث أنه يحمل في ثناياه عوامل التوحيد والبعث والإحياء، التي
تُبرز الأمةَ وحدةً متجانسةً لها آمالٌ واحدة، ومشاعر واحدة، وتطلعاتٌ
واحدة، وأن الفرد جزءٌ من الأمة .


فماذا نستلهم من التراث في شعر الأطفال ؟

للإجابة عن ذلك يمكن أن نلاحظ أن للتراث جانبين :

- جانباً مادياً يتمثّل فيما يمكن استلهامه ليتلاءم مع توجّهاتنا الفكرية والتربوية .




- وجانباً أدبياً، ذوقياً، يتمثّل في استلهام العناصر الأدبية والجمالية
من خلال عملية (استقلابٍ) معنوية، بالتمثّل الأدبي والجمالي، ليصبح جزءاً
من حساسيتنا المعاصرة، التي تعمل على إحياء هذا التراث، وبعثه حيّا في
الحاضر، وفي ذلك إبداعٌ وخلقٌ جديد، يقف في وجه الاختراق الفكري، والغزو
الثقافي الذي يهددنا، ويحاصر جيل أطفالنا من جميع الجهات .





لقد نجحت القصة الطفلية – في مصر، خاصة – في الاستفادة من التراث، ولعل
سبب نجاحها في هذا التوّجه، عائدٌ إلى طبيعة الجنس الأدبي القصصي، الذي
رأى في التراث جانباً درامياً بتسليط الضوء على ثنائية التضاد، أو
المفارقة الفنية في الخير والشرّ، والحق والباطل، والعدل والظلم، والجمال
والقبح، مستغلةً ذلك في التراث الشعبي الموروث. كسِيَر "عنترة، وذات
الهمة، والملك الظاهر بيبرس، وسيف بن ذي يزن، وعلي الزيبق، وشهرزاد،
والسندباد. . ." وسواها. وقد اجتمعت في شخصيـات أبطالها، إلى جانب الصفات
الإنسانية، جوانب سحرية خارقة، مما جعل " السيرة الشعبية تمثّل ذخيرةً
عربية لا تنفذ مهما قُدّمت في أشكالها، وزاداً لا ينتهي، حينما نجعلها
مصدراً جيداً من مصادر ثقافة الطفل، لا تقلّ أهمية – إن لم تكن تتفوّق –
على هؤلاء الأبطال المعاصرين، الذين يتفوّقون بالحاسوب وغيره من الأدوات
العصريـة " التي يمكن الاستفادة منها في تشكيل وجدان الطفل.





وفي الشعر يمكن الاستفادة من ذلك أيضاً، وربما كان الشعر قادراً على جذب
اهتمام الصغير حين نستطيع تقديم قصيدةٍ عن التراث، ومنه، تتناول حادثةً
معينةً، أو شخصيةً مميزةً، كعنترة والمتنبي وصلاح الدين وعمر بن عبد
العزيز، لكن ما يثير الاهتمام – هنا – هو تخلّف الشعراء بصورةٍ عامةٍ عن
ارتياد عالم التراث باستثناء القلّة من جهةٍ، وعدم التفات الأطفال إلى غير
الشعر المدرسي بصورة عامة، من جهةٍ ثانية.





لقد أنجبت الأمة، عدداً من العباقرة العرب والمسلمين على مرّ العصور منذ
الجاهلية حتى اليوم، ولكننا لم نستلهم شعرياً هذه الشخصيات جيداً، ولم
نعرف كيف نقدّمها للأطفال، وقد يرجع بعض السبب في ذلك إلى النقاد، حيث
تضاءلت الدراسات التي تهتمّ بأدب الأطفال، وتُوجِّه كتّابه، وحينما تصدر
دراسةٌ جادةٌ منها حول موضوع من الموضوعات الطفلية، فإنما ينصبّ التركيز
والاهتمام على القصة، أو الأدب بوجه عام، بينما يُترك الشعر للشعراء،
يبدعون فيه، وهم يجرّبون فيه أدواتهم وأفكارهم حسب أمزجتهم وثقافاتهم،
ولذلك قلّت تلك الومضات الشعرية المتألّقة التي يعود فيها الشاعر طفلاً، و
يتصوّر نفسه جالساً على الأرض. مستنداً بمرفقه إلى ركبة جدته، وهو يستمع
إليها بكل كيانه، تحكي له من قصص ألف ليلة وليلة، وغيرها من الحكايات
الشعبية، التي تثير خياله، ثم يجسّد هذه الحكايات في قصائد طفليةٍ قادرةٍ
على استيحاء ما تحمل شخصيات القصص، واستلهام مغزى الحكايات، وما فيه من
حوافز اجتماعية وقومية وإنسانية، وقيم تربوية وخلقية.




المنهاج المدرسي والتراث :


في الأدب عامةً، و في شعر الأطفال خاصةً، تبدو حساسية العمل الأدبي فيما
يسمى (الإثارة) التي ينبغي أن تتوفّر في النصّ الأدبي ليحفل بالتشويق،
ويجذب إليه المتلقّين، ويبدو أن الشعراء الذين توجّهوا للصغار، قد
استلهموا الموضوعات القريبة من مرأى الطفل و مسمعه، ورأوا أنها أسهلُ
متناولاً في تحقق الإثارة التي يطمحون إلى تحقيقها في النصّ الطفلي. مما
يمسّ الحياة العصرية، كالعمل والعلم والوطن والفراشات والعصافير، وسوى
ذلك، ونأوا عن قصدٍ منهم، أو عن غير قصدٍ عن التاريخ وشخصياته وأحداثه،
وآثار حواضره، وظلّ التراث بعيداً عن المتناول، حتى ليأخذ المرءَ العجبُ
حين يقلّب صفحات بضعة عشر ديواناً من الشعر، فلا يجد قصيدةً واحدةً عن
التراث، وكأن الماضي برجاله ووقائعه، منفصلٌ عن الحاضر وأهله، أو كأن
موضوعات ذلك الماضي، لا تصلح للحاضر، ولا تحقّق للطفل ما يبتغيه من المتعة
والإثارة والاكتشاف، أو أن ذلك متروكٌ شأنه للمدرسة، تقدّمه في مناهجها
التعليمية، بدءاً من الصف الثاني الابتدائي...





ولكنّ ما قصّر عنه الشعراء، أكّدت عليه التربية في جميع صفوفها، وأولته
أهمية كبرى، وألحّ منهاج اللغة العربية منذ بدايات المرحلة الابتدائية على
" تعريف أبنائنا بتراث أمتهم الحضاري، وبالتراث الإنساني لتزداد ثقتهم
بأمتهم، وقدرتها على أداء رسالتها في إغناء التراث الإنساني البشري على
مرّ العصور، وأن تقيم موضوعاتُ القراءة توازناً مدروساً بين واقع الحياة
المعاصرة من جهةٍ، والتراث العربي والإنساني من جهةٍ أخرى " وعملت على
تناول التراث من الجوانب الآتية : (1)


1 - الشخصية التاريخية.

2 - أيام العرب ومعاركهم

3 - القيم العربية الإيجابية .

4 - إسهام العرب في الحضارة الإنسانية.

5 - المدن العربية والآثار.

6 - النوادر في التراث العربي.


وعلى الرغم من هذا التطلّع الكبير إلى التراث الذي لاحظه المنهاج المدَرسي
السوري، فإن شعر الأطفال لم يقترب منه - بصورة عامة، باستثناء تجربة
سليمان العيسى – حتى ليمكننا القول إن بعض شعراء الأطفال لم يكتب قصيدةً
واحدةً تستلهم التراث.




1- تجربة سليمان العيسى مع التراث والأسطورة:


آ- سليمان العيسى رائدٌ متميّـزٌ من روّاد شعر الأطفال في الوطن العربي،
أتى في شعره على جميع الموضوعات التي تهتمّ بالطفل، وتهمّه، مراعياً فيها
الجوانب التربوية والتعليمية، وكما كانت لـه الريادة في صياغة القصيدة
الطفلية التي تجاوزت مرحلة النظم، وحشو المعلومة، فإن لـه أيضاً دورَ
الريادة في استلهام التراث وإضفاء صفة المعاصرة عليه، وبعث شخصياته بما
يتلاءم وتوجّهات الطفل من جهةٍ، ومراعاة واقع الأمة العربية من جهة أخرى .



إن أحمد شوقي، ومحمد الهراوي، ومعروف الرصافي وسواهم من الشعراء العرب
السابقين لسليمان العيسى زمنياً في تقديم شعرٍ للأطفال، التفتوا في جانبٍ
ضيّقٍ من شعرهم إلى التراث، لكن ذلك لم يكن – في زمنهم – مراعياً
للاعتبارات الفنية والنفسية للطفل العربي، بقدر ما كان مستفيداً من تجارب
الأمم الأخرى – في حدودٍ ضيّقةٍ – في هذا المجـال. إذا لم يكن معتمداً على
الاجتهاد الشخصي، ومراعاة القيم الدينية والخلقية والتربوية. بينما نجد "
سليمان العيسى " قد آلى على نفسه أن يوجِد في المكتبة العربية ركناً
ثابتاً لشعر الأطفال، وهو بذلك يعي ما يفعل، وما يضع في خلــده، وما
يتوجّه إليه، تمّده في ذلك خبرةٌ واسعةٌ في مجال التعليم أولاً، والتربية
والمناهج ثانياً، والتجربة الشعرية واللغوية ثالثاً، وكان لتصميمه على
السير في هذا الطريق أثرٌ بالغ في النجاح الذي حقّقه، تدفعه بعد كل ذلك،
اعتباراتٌ سياسيةٌ وقومية واجتماعية.



إن نظرة " سليمان العيسى " للتـراث فيها شيءٌ كثيرٌ من التقدير والإجلال،
إن لم نقل التقديس، فقد عُرف عنه عشقه للتراث العربي، وروايتُه للشعر
القديم، وحفظُه للقرآن الكريم، ولم يكن تعامله مع الأطفال إلاّ تعامل
المربّي الذي وعى مستلزمات الطفولة، لذلك لم تكن نظرته الفنية للتراث
نظرةً شمولية وإنما كانت " نظرةً انتقائية، فالتراث عنده هو الوجه المضيء
من حياة الأمة العربية في كل عصورها، مع الاحتفاظ بأهميةٍ خالصةٍ للعصر
الإسلامي الأول، فلم يُعرف عنه استلهاماً لتراث العصور القديمة، أو العصر
الإسلامي المتأخّر. عندما تناهبت الدولةَ العربيةَ العناصرُ الغريبةُ
والأجنبية، بعد القرن الخامس صراحةً إلاّ لماماً... " (2) .



وقد رأى الناقد عبد الله أبو هيف (3) أن التراث محطّ الرجاء عند العيسى،
وسبيل المرء إلى الهوية، فلا وجود من دون تراث، وهو عند تعامله معه، فإنه
يختار منه ما يناسب الأطفال حسب النقاط الآتية :


1-اختيار للشخصيات الكبيرة والفاعلة في زمنها.

2-المواقف العربية الساطعة .

3-الآثار والمدن الشاخصة .

4-اللغة العربية...


لقد التفت سليمان العيسى التفاتةً متأنيةً إلى الأطفال عبر رحلته الشعرية
التربوية القومية، وظلّ منذ نكسة حزيران عام 1967 وعلى مدى عشرين عاماً
يكتب النشيد والأغنية والمسرحية والتمثيلية والحكاية والقصة، حتى ليمكننا
القول إنه قد استطاع أن يوجِد مكتبةً شعرية للأطفال ضمن المكتبة السورية
أولاً. والعربية ثانياً. تتصف بالشمول والتنّوع والتألّق الفنيّ، وكان
للتراث حصته الجيدة من هذه المكتبة الفريدة، التي تمثّلت في مجموعاتٍ
شعريةٍ وأناشيدَ ومسرحٍ غنائي، وحكاياتٍ عن أبرز الشعراء والشخصيات
العربية والإسلامية، والمدن التاريخية، يقول عنها الشاعر نفسه :



" كان أبرز عملٍ تناولتُ فيه التراث، وجعلته بين أيدي أطفالنا –نثراً لا
شعراً – هو كتابي (شعراؤنا يقدّمون أنفسهم للأطفال) ضمّ الكتاب سبعةً
وعشرين شاعراً هم أعلام الشعر العربي في التاريخ. انتقيتهم بدقةٍ، وجعلتهم
يقدّمون أنفسهم للأطفال، بلغة العصر ومفاهيمه الحديثة، ثم يتركون بين
أيديهم مقطعاً أو مقطعين من شعرهم.. . إن شاعرنا الكبير المتنبي عاد إلى
الصغار، وعاش معهم، وعاشوا معه في قرننا هذا، في القرن العشرين... وقد
اتخذت من هذا الشاعر العظيم رمزاً للماضي، لهيبة التركة المضيئة التي
خلّفها لنا الأجداد، وجعلت الأطفال يحاورون التراث بصراحةٍ وجرأة.
يناقشونه في الكثير من مفاهيمه وقناعاته، وبرؤيته للأشياء، دون أن يتخلّوا
لحظةً عن محبتهم له وتقديرهم إياه. . " (4).



وكذلك الحال مع غير المتنبي من الشعراء، فالمعري الذي عرف بتشاؤمه، يعمل
على تعديل قناعاته، حين يجعله يستقبل الأطفال، هذه الفراشات الحلوة في
داره، ويسمعهم - وهم يتصايحون ويرقصون ويغنون من حولـه - بعضَ أشعاره،
ويملأون الدنيا فرحاً، وبهجةً فلا يلبث أن يهتف :


مرحى للصغار

رحى للبلابل

فجّـروا النهار

في قلبي جداول

ونجد الشاعر أبا فراسٍ الحمداني، يهدي سيفه للأطفال في إشارة إلى انتهاء دوره وابتداء دورهم، لمواصلة النضال، وينشد لهم : (5)

أنتم جنود الآن

يا أيها الشجعان

فليهدر البركان

ولتسمع البيد


وبمثل هذه النظرة الجديدة التي يستمدّ ضياءها من المناهل الأصيلة للأمة،
أدخل الشاعر التراث وشخصياته، وأحداثه إلى مختبره الفني، وسهر على
اختماره، ليخرج ملوناً بألوان ثقافته وروحه التي جعلت القديم جديداً،
والجديد موصولاً بالقديم، وقدّمه إلى الطفل في حلةٍ أنيقةٍ.





إن الشاعر عندما توغّل في التراث، كانت غايته نقل الأصالة إلى أطفال
الحاضر، وهو على حدّ تعبيره قد اعتصر التراث. اعتصر المتنبي والمعري وسيف
الدولة، ثم شكلهم تشكيلاً جديداً فيه حياة وفيه روح وفيه فن، ثم قدّمهم
إلى الصغار، ليقول لهم : هذه هي الحداثة التي نقدّم أصالتنا من خلالها.





ب- ثمة قاسمٌ مشترك هامٌّ، بين فن الأسطورة التي تعتمد على الخيال الجامح،
وبين أدب الخيال العلمي، الذي تتطلّبه الحياة المعاصرة، والطريف في هذه
الشراكة، أن الأساطير الشعبية قد انطلقت بصورةٍ عفويةٍ في خيالات الأمم
التي أبدعتها، أو التي نقلتها وصقلتها، بينما يرتكز الخيال العلمي إلى
معطيات العلم والتغييرات التي تحدث في المجتمع، بهدف اقتراح فروض واقعية
عن مستقبل العالم وطبيعة الكون، معتمدة على التنبّـؤ واستكشاف المستقبل
والمجهول، بينما لا تستند الأساطير على معطيات العلم وتقنيات العصر، مع
أنها حلّقت في مجاهل الكون، واجتهدت– في زمانها – أن تتنبأ وتستكشف، وكان
بإمكان متلقّيها الأول أن يرى فيها، ما نراه – نحن – اليوم في أدب الخيال
العلمي، من أنها لونٌ جديد طارئ على الحياة والفكر والأدب، فقد استطاع
مبدعوها أن يخالفوا المعهود، ويعتمدوا على الخيال في تقديم الجديد، المثير
(الفنتازي) و (اليوتوبي) الذي كان بعيداً كل البعد عن روح عصرهم الذي، لم
يكن يعرف الآلة الخرساء التي تتحدّث كالمذياع والتلفاز، أو الصماء التي
تطير بجرمها الكبير، كالطائرة في السماء، وإنما كانت الوسيلة إلى ذلك
إيجاد جكايةٍ أسطوريةٍ، ينطق فيها الحيوان، ويتحرّك الجماد، ويطير الإنسان
وسوى ذلك من الرحيل إلى عالم الإنس والجان .



والشاعر " سليمان العيسى " كان سباقاً إلى إدراك ذلك كله، حين درس
الحكايات الأسطورية المعروفة، التي سمعها أو قرأها في طفولته، ووجد فيها
ما يجذب الطفل، ويلعب بخياله، إلى جانب ما تتضمّنه، أو ما يمكن تضمينها من
حكمةٍ إنسانيةٍ .





لقد كانت تلك الحكايات نثريةً والقليل منها شعري، لكن الشعر كان نظماً لا
روح فيه، الأمر الذي دفعه لإعادة صياغتها في قصائد طفليةٍ. تنبض عباراتها
بالحياة، وصورُها بالحيوية، وأضفى عليهـا بالحوار شيئاً من التشويق،
وجعلها في أوزان موسيقيةٍ محبّبةٍ، تتناسب وقصر القصيدة، أو طولها، كما
صاغ منها تمثيلياتٍ صغيراتٍ، أودع منها في ديوان (ما زالوا الواحة) اثنتا
عشرة حكاية أسطورية، تتحدّث عن الإنسان والحيوان. مما كانت تحكيه الجدّات.
قبل أن يسلب التلفازُ من الأطفال هذه المتعة البريئة .



في حكاية : الإوزة التي وضعت بيضاتٍ ذهبيةً، يعيد الشاعر إلى الأذهان، قصة
الفلاح وإوزته التي تبيض ذهباً، فلم يصبر حتى تبيض له كل يومٍ بيضةً،
وإنما استعجل الثراء، وقرّر ذبحها، ليُخرج منها جميع البيض الذهبي مرّةً
واحدةً، ولكنه بعد أن فعل فعلته الحمقاء، وجدها كباقي الإوزّ، فما كان منه
إلاّ أن بكى بحرقة .


يقول الشاعر في نهاية الحكاية : (6)

كسائر الطيور كان الناحل الساقين

لا ذهبٌ كمـا ترى فيه ولا لُجين

وأطرق الفلاح

بدون شيءٍ بات

لم يُجْدِهِ النواح

على الذي فات .


لقد أتى سليمان العيسى على معظم ألوان التراث، الأدبي والديني والأسطوري
والخرافي والبطولي التاريخي، وقد طوّع فنه لمتطلّبات التربية، وجسّد في
التراث وسواه مظهراً فنياً من فنون الشعر المعاصر، تجلّى في التنوّع
والغزارة. من قصيدةٍ ونشيدٍ وحكايةٍ شعريةٍ، وحواريةٍ تمثيليةٍ ومسرحيةٍ،
فجعل الشعراء يقدّمون أنفسَهم لأطفال العصر في عشرة أجزاء ضمّت أعلام
الشعر العربي في معظم عصوره الأدبية، ثم في مجموعة (غنوا يا أطفال) قدّم
في عشرة أجزاءٍ، نشيد " أسامة " بن زيد، و" السياب يقول للأطفال " و" فنان
عظيم يتحدّث إلى الصغار " عن سيرة " سيد درويش " وفنه، و" أبو فراس
الحمداني يقدّم سيفه للأطفال ".



كما قدّم (المعري) و (والد) الشاعر، و (المتنبي) و (زنوبيا) في مسرحيات
شعرية مبسّطةٍ، وقدّم " حكايات تُغني للصغار " في مجموعة تضمّ خمساً
وعشرين حكايةً شعريةً، استدعت التراث الشعبي بأسلوبٍ شعري معاصرٍ، وقد
ضمّنها معظم القيم التي تلحّ على الانتماء والهوية والتربية القيمية كما
في قصيدة " الأطفال يزورون تدمر" : ص (525)


تدمر الخالدة بيتكم من قديـم

أمـة واحدة و تراث عظيـم

إلى الأمـام إلىالأمــام

نستعـرض التاريـخ و الأيـــام

نرى هنا ما شاده أجدادنا العظـام

إلى الأمــام إلى الأمـــام

نبني كـما بنـوا وفوق مـا بنوا

نعـيش للعطـاء نعيـش للفـداء

للوحدة الكـبرى إلـى الأمــام


ولم يكن أعلام التاريخ العربي وحدهم يجسّدون الهمّ القومي والرؤية
المستقبلة، وإنما عمد إلى التراث الشعبي الشرقي، والإلحاح على القيم
الإنسانية التي استغلّها لصالح وعي الطفل، ووظّفها لاستشراف الغد الواعد،
كما في " قصة علاء الدين والمصباح السحري " وحكاية " علي بابا والأربعين
لصاً " حيث صاغهما بأسلوب الشعر المنثور، فبدت الحكاية أو القصة أشبه بنصّ
فنيّ ينبض بالحيوية، ويذخر بالقيم : فالمصباح كما يقول :


ودارت الأيام يا أولاد

وأزهر المصباح

وحقّق العلم رؤى الأجداد

حقّقها الكفاح "

و " علي بابا " صديق الشاعر، وصديق الأطفال، يحمل أبعاداً اجتماعية :

" يا علي بابا. . يا صديقنا القديم

ألم نحذرك من طريق الفســـاد

الكنـز للحطابين جميعاً. . للفقراء جميعاً. لرفاقك

المحرومين الضائعين. أيها الحطّاب الطيّبُ

الأصيل

لكم فيه نصيب... "


ويمكن أن يلحظ الباحث بسهولةٍ، إن سليمان العيسى يتعامل مع التراث معاملة
عاشقٍ، فينتفي المواقف الإيجابية، ويختار المواطن التي تفيض رجولةً
وبطولةً، ويتعاطف مع الفقراء والمساكين، ويشدّ من أزر الضعفاء، وينحاز إلى
أبناء الطبقة الكادحة العاملة، وكأنهم أبناء العصر الذين عمل الإقطاع على
إضعافهم، وسلْب أموالهم وحقوقهم، وهاهو قد أتى لينظّم صفوفهم، ويجمع
الأنصار حوله .





ويرى " د. عبد الله أبوهيف " في كتابه : " التنمية الثقافية للطفل العربي
" [ اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 2001 ص 100 ] : " ربما عزا العيسى هذا
إلى تأثير التراث في الحياة الثقافة المعاصرة أولاً، وإلى أن التراث هو
الحافظ للتقاليد ثانياً، ولكن مثل هذه المعاينة تستلزم استلهام التراث في
حقيقته أيضاً، فقد بدّل في كتابته عن المتنبي في مسلسل " المتنبي والأطفال
" بعض الكلمات التي لم تعجبه في شعر المتنبي. يريد العيسى أن يقدّم التراث
صافياً نقياً عربياً خالصاً إيجابياً. وهذه معضلةٌ فنيةٌ تربوية ثالثة ما
تزال موضع نظر ".




2- تجربة بيان صفدي مع التراث:


التفت الشاعر بيان صفدي، أكثر من غيره إلى هذا الجانب التراثي، الذي أغفله
معظم شعراء الأطفال، وربما كان السبب في هذه الالتفاتة عائداً إلى إقامته
في العراق للدراسة، واطّلاعه على هذا الجنس الأدبي المتطوّر. في المدّة
التي خصُب فيها، والقريبة من عام الطفل الدولي 1979، ومن ثم تمرّس الشاعر
بالكتابة في صحافة الأطفال العراقية والسورية، مثل مجلات : المزمار،
ومجلتي، وأسامة، وقيام دار الآداب اللبنانية بطباعة مجموعات طفلية لـه، ما
لبثت وزارة المعارف في المملكة العربية السعودية أن تبنّتها في خطتها.
فطبعت منها آلاف النسخ ووزعتها على جميع مكتبات مدارسها المنتشرة في جميع
أنحاء المملكة.



إن التراث في شعر " بيان صفدي " قد يرِد في القصيدة بصورة عفوية، كأن يذكر
شخصيةً، أو حادثة تاريخية، أو مدنيةً، كما في قصيدة (الحبّ لنا) : (7)


سافـر الحبّ وعاد

طائفاً كل البـلاد

كان يحكي في الليالي

من حكايـا شهرزاد

وقد يستلهم من التراث حكمةً يضمّنها القصيدة، أو ينهيها بها، كما في قصيدة (علّمنا العرب):

علّمنا العــرب

وقديماً كتبــوا

" علم في الصغر "

" نقش في الحجر "


وقد يستدعي الشخصيات التاريخية، والمورث الشعبي، في قصائد مستقلّـة،
كشخصيات السندباد، وعلاء الدين والمصباح السحري، وبساط الريح، والأميرة
والحطاب، وخـولة بنت الأزور، وصلاح الدين الأيوبي، وفي هذا البطل يقول :
(8)


على ربـى حطين

مرّ صلاح الـدين

شمّ التراب الغـالي

كأنبل الرجــال

و سلّ سيف الثـار

وقال : هـذه داري

. . .

نقسم بالاجداد

وتربة البلاد

سيف الفدائيين

موعده حطين

تصهل في حطين

خيل صلاج الدين


وقد عمد الشاعر من خلال أبيات القصيدة التراثية التي ارتدت حلةً عصريةً،
إلى ربط الماضي الأصيل للأمة، بحاضرها و مستقبلها، وذلك حين أوحى للطفل أن
بطولات صلاح الدين الأيوبي، كانت نقطة الانطلاق لتحرير فلسطين، وهاهم
الفدائيون يواصلون الجهاد... .. ولا تنقص هذه الالتفاتةَ التراثيةَ،
القيمُ التربوية والقومية التي حرص الشاعر على تقديمها سائغةً غير
مباشرةٍ، من خلال نصٍّ شعري سهل التناول من قِبل الطفل.



ويستدعي شخصية المتنبي، ينتقيها من بين الشخصيات العربية، تلك الشخصية
الأدبية، التي ملأت الدنيا بشعرها، وشغلت الناس بأمرها، ليثبت أنها
الشخصية (الرمز) التي تمثّل الحكمة والحنكة و الهمّة العالية، وهي لا
تزال، وستبقى رمزاً لكل من أحبّ ركوب الصعاب، وعشق المغامرة، وقد أضفى
عليها في القصيدة أثواب المعاصرة، فصـوّر المتنبي في البداية، الطفلَ
الفقير المنبت، الذي ما لبث أن ابتدأ بالسطوع والتألّق، تألّق النجم في
حلكة الليل : (9)


المتنبي

جدي العربي

ابن السقاء المغمور

وهو فتى العرب المشهور

لم يقعده الفقر القاسي

عن أن يبرز بين الناس

منقوشٌ في قلب الأمة

كالنجم الساطع في الظلمة


إن إظهارَ الشاعرِ لمنبتِ المتنبي الطبقي – ومثلُه عامة الناس – يوضّح
الغرض الأول الذي يثبت أن الفقر لم يقف عائقاً أمام تكوين هذه الشخصية،
فابنُ السقّاء تبرز موهبته بين فئات الشعب التي تنظر إلى الأدب، وليس إلى
المنبت.



ويبدو الغرض الثاني متمثّلاً في إبراز صلـة الوصل، وصلة القربى، التي تربط
هذه الشخصية العظيمة، بأبناء الجيل، حين تقمص الشاعر شخصية طفل، وقال إن
المتنبي جدّه، ولعل دلالة اللفظ المضاف إلى ياء المتكلّم (جدّي) تعمل على
تقريب المسافة الزمنية الشاسعة بين المتنبي، الذي عاش في القرن الرابع
الهجري، وبين أحفاده الذين يعيشون في القرن الخامس عشر الهجري، (العشرين
الميلادي )[من 303 إلى 354هـ – 915 –965م ]



ويقفز الشاعر في المقطع الثاني، قفزةً جديدة، يُصَعّد فيها فكرته، التي
يتصاعد معها الحسّ الدرامي، فيسلّط الضوء على الجانب الإبداعي الذي كان
وراء تألّق هذه الشخصية التراثية :


المتنبي

ظلّ يخلّده الإبـــداعُ

وكثيراً في الزحمة ضاعوا

وهو الباقي ظلّ فريـدا

صوتاً لا ينسى وجديدا

غنّى نخوة سيف الدولة

جعل الدنيا ترقص حوله


يبثّ الشاعرُ الوعيَ وهو يتوجّه إلى جمهوره من الأطفال، حين يعمد إلى
إقناعهم، ويثبت في خلدهم أن ما يخلّد الإنسان في التاريخ، هو إبداعه،
القابل للتجدّد على مدار الأزمنة، وهذه رؤية في الحداثة الشعرية، تكمن في
العودة إلى التراث، والنظر إليه نظرة واعية مستلهمة، بدوافع متعدّدة من
النوازع الفكرية والاجتماعية والنفسية والفنية، التي تتآزر مجتمعةً. لتأخذ
بيد الإنسان نحو منهل الإبداع الغني بالقيم الروحية والإنسانية، القادرة
على رفد العطاء الجديد، وتضفي عليه الأصالة، إضافة إلى الحيوية، وتخلّصه
من العفوية الساذجة، ومن ثم الارتقاء وجدانياً وفكرياً .





إن خلود الشاعر كان بسبب إبداعه المتماهلا، على الرغم من كثرة الصخب،
وشدّته، فبرز للعالم صوتاً متفرّداً (صوتاً لا يُنسى وجديداً) غنّى (نخوة)
سيف الدولة، وعلى ترجيع غنائه، رقصت الدنيا من حوله.





وفي لفظي (الغناء) و (الرقص) احتفالُ فرحٍ، يوحي بأن التراث ليس تركةً
جامدة، وإنما هو حياةٌ متجدّدة، تصل الماضي بالحاضر، وتؤكّد أن الحاضر لا
يحيا إلاّ بالماضي، وكل قصيدةٍلا تستطيع أن تمدّ عنقها إلى المستقبل، لا
يحفل بها التراث، لأن لكل شاعرٍ أصيلٍ مبدعٍ تراثه.





واستدعاء شخصية (سيف الدولة) مقترنةً بـ (النخوة) كانت لفتةً بارعةً
لتوثيق الصورة التي تُرسَم في مخيّلة الطفل، لتجسّد بعضاً من منظومة القيم
العربية في الشجاعة والشهامة والتربية وتكامل الشخصية، فأبو الطيب / أمير
الشعر. يقف إلى جانب سيف الدولة / أمير السيف، وفي الشخصيتين يبرز الرمز،
في عظمة التاريخ وأمجاده .


ثم ينتقل الشاعر في المقطع الثالث والأخير ليكمل منظومة القيم :

المتنبي

حرفٌ ذهبي

مسطورٌ

في أبهى كتب

عش في الدنيا بفروسية

واطلب ما عشت الحرية.


إن غناء الشاعر في المقطع الثاني، قد أطرب الدنيا من حوله، فأرقصها، ولم
يكن ذلك بأي حالٍ من الأحوال مؤشّراً على حياة اللهو والترف، وإنما كان
بسبب الإبداع والتفرّد، وهو في المقطع الأخير يعاود التأكيد على دور
الإبداع في خلود الإنسان، فيقف عند (الحرف الذهبي) وهذا ملمحٌ تربوي
بارزٌ، لأن وصف الحرف بالذهب، يجذب الطفل، ويثير مخيّلته، ويمنح العبارة
حركةً وحيويـةً، ويجعلها تنقش في الذاكرة، وهي إذ تُسَطّر في أبهى الكتب،
فإنما بسبب أصالتها، لكن القيمة العليا لهذا الحرف، تبرز في دور الكلمة في
الحياة، ويتجلّى ذلك – في النهاية – في الحكمة التي آلت إليها القصيدة،
لترسم بقية الملامح النفسية والفكرية للشخصية التراثية، هذه القيمة التي
تبدّت في مطلب (الحرية )، مما يقدّم – بصورةٍ غير مباشرة – شخصية المتنبي
الثائرة، التي كانت تطلب الحرية باستمرار، حتى إذا ما أحسّت أنها تفتقدها،
أمسكت عصا الترحال، وأخذت تضرب في الأرض باحثةً عن أميرٍ عادلٍ ليس في
بلاده ظلم .





إن استدعاء شخصية المتنبي كان موظفاً بصورةٍ موحيةٍ، لتغدوَ (رمزاً)
مثالياً يضعه الطفل نصب عينيه، وهو يراه يرتدي ثياب المعاصرة من دون أن
يخلع عباءة التراث .



وقد وجد الباحث " ثائر زين الدين " في كتابه " أبو الطيب المتنبي في الشعر
العربي المعاصر " [ اتحاد الكتاب العرب – ص 37 – دمشق 1999 ] أن المتنبي
أمسى عنواناً لمرحلة من التجزئة العربية يسقط عليها أخطاء الحاضر، لكن
الشاعر " بيان صفدي " ابتعد عن هذه النظرة، و " أخذ على عاتقه مهمّة أن
يقدّم هذه الشخصية العظيمة [للأطفال ] بأبهى ثوب. شاركت في نسجه اللغة
العذبة السهلة المتينة، والموسيقا البسيطة التي تضافرت في تشكيلها مجموعة
عوامل. هي نغمة المتدارك الراقصة، والقوافي المتعدّدة والمتقاربة،
بالإضافة لقافية واحدة بعيدة ربطت مقاطع القصيدة الثلاث :


المتنبي

جدي العربي

ابن السقّاء المشهور...


كما لا يخفي. . التقط الشاعر في المقطع السابق عاملاً من أهمّ عوامل تكوين
شخصية المتنبي، وهو منبته الطبقي المتواضع، الذي لم يقف عائقاً في وجه
طموحه وموهبته، حتى كان له أن يحفر اسمه في قلب أمته.




وفي المقطع الثاني يلتقط "بيان " فكرتين على غاية من الأهميّة. ليس فقط للصغار. بل نحن الكبار:

المتنبي

عبر الحقب

ظل يخلده الإبداع

وكثيرٌ في الزحمة ضاعوا

وهو الباقي ظل فريـدا

صوتاً لا يُنسى و جديدا

غنى نخوة سيف الدولـة

جعل الدنيا ترقص حوله

إن ما حفظ لنا – ولمن يأتي بعدنا – اسم المتنبي هو إبداعه المتميّز الذي لا يمكن أن يُنسى، والقابل للتجدّد مع القراءات المتتالية .

والأمر الثاني هو أن صوت الشاعر المبدع هو الذي يجعل الدنيا ترقص حول القائد الفارس الشجاع الذي يذود عن بلاده وشعبه كسيف الدولة .

أما المقطع الأخير، وهو أقصر مقاطع القصيدة، فيقدّم خلاصة حياة المتنبي كلها وشعره. حيث نقرأ :

المتنبي

حرف ذهبي

مسطورٌ في أبهى كتب :

" عش في الدنيا بفروسية

واطلب ما عشت الحرية "


ويعلّق الباحث على ذلك بأن المتنبي عاش " حياته بفروسية، ودفع دمه في
النهاية ثمناً لذلك، ولقد غنّى للحرية دوماً ؛ وكان كلما أحسّ بأنه
سيفقدها لسبب أو لآخر فضّل حياة الرحيل والتنقّل، للقصيدة جانب تربوي
تعليمي واضح، لكن ذلك جاء بثوبٍ زاهٍ قشيب، وكانت القصيدة للصغار والكبار
ككل الشعر جميل. "




3- تجربةٌ شخصيـــةٌ:


أذكر أنني عندما كنتُ أنقّب في مخيّلتي عن موضوعٍ تراثي، في لحظة إشراقٍ
شعري، وقعتْ بين يدي بطاقة (معايدةٍ) كانت عبارة عن صورةِ قوسِ النصر
المعروف في مدينة تدمر، وكان للقوس أثرٌ كبيرٌ في نفسي منذ الصغر، يجذبني
إليه، ويوحي إليّ بمختلف المعاني والصـور، وقد حاولتُ رسَمه – وأنا طفلٌ –
مراتٍ، ولكني كنت أعجز عن إعطاء القوس حقّه من الألوان، فلحجارته سماتٌ
تاريخية، أضْفتْ عليها عوامل الزمان والمناخ كثيراً من الخصوصية، التي
شاركت في صنعها الشمس بلونها، والريحُ بخدوشها، وكرّ السنين بتآكل بعض
أطرافها، وهدمِ زواياها. . وفوق كل ذلك، التراث الذي يبسط عالمه و (نكهته)
على كل شيءٍ فيها. . .



تملّيتُ البطاقة بإمعانٍ، وقرأت ظلال اللوحة، وكما حاولتُ رسم القوس
الصغير، بالخطوط والألوان، حاولت هذه المرّة الرسم بالكلمات، فكانت
القصيدة (10 )


بابا أهــداني صـوره

يا ماما ما أحــلاهـا

فيـها ألـوان عذبــه

عينيي تهــوى مرآهـا

- - -

في الصورة ألوانٌ عذبـه

ومغانٍ من وطني أعـذبْ

في الصورة أقرأ عن وطني

أمجـاداً تكتبها (زينب )

- - -

في الصورة أعمدة تشيخ

ورمالٌ أحلى من ذهب

والقوس الصامدُ نشوان

بالنصر المشرق للعربِ

---

يا ماما هذي الصوره

أحلى صوره

بالألوان

فيها تاريخٌ حافلٌ

من صنع الشعب الفنان


كما كانت لي في تجربتي الشعرية، التفاتة عفوية إلى التراث وشخصياته
الأدبية، العربية والإسلامية، فوردت بعض الأسماء من خلال القصائد، ولا
يخفى أن الغرض من ذكرها كان تربوياً تعليمياً، في الدرجة الأولى، من خلال
دعوة الصغار، للإقبال على الشعر - والشعر ديوان العرب -وإعطائه المكانـة
التي يستحقهـا في النفوس، كما في قصيدة (بابا يحب الشعر) حيث ترد الأسماء
التي وعتها الذاكرة العربية بكثير من الشوق والحبّ :


قلبت كوثر

ورق الدفتر

قرأت شعراً

عذباً سكّر

شعراً حلواً

في (عبلةَ) أبدعَهُ (عنتر)

...

فرحت سلوى

قالت : حلوه

وأنـا أروي

شعـراً أحلى

شعـراً يُروى

عن (قَيسٍ )

قيل قديــماً

في (ليـلى )

....

أختي (لينه)

قالت عندي

في مكتبتي

"ديوانٌ"

من ورقٍ أصفرُ

و (كُثَيّرُ)

غنى في (عزّهْ)

أشعاراً أحلى من سكّرْ

...

وفي قصيدة (فتحت باب المكتبة) (12) تطلّ (الخنساء) لتقدّم أشعارها للطفل، ثم توصيه بمطالعة شعر (عنترة) :

فتحتُ باب المكتبة

بحثتُ عن قصيدةٍ

طريفــةٍ معبّره

فمدّت (الخنساء) لي يداً

وقالت :

" هذه الأشعار. خذها "

" ثم طالع (عنترة ). . "

... .

4- تجارب أخرى في استلهام التراث العربي الإسلامي:


لم ينتفع شعراء الأطفال من معطيات التراث العربي بصورةٍ عامةٍ، والإسلامي
بصورةٍ خاصةٍ، كما انتفع منه الأجانب، وعلى سبيل المثال، فقد استفاد
(لافونتين) من قصص كليلة ودمنة، واستفاد (إيسوب) من الأساطير الشرقية،
ومما يدعو للرثاء، أن الذين عنوا بأدب الأطفال من العرب، قد تأثّروا
بالغربيين في البداية، متناسين ما يذخر به التراث العربي من مادةٍ خصبةٍ
للطفولة .



إن قلةً من شعراء الأطفال في سورية، قد اتّجهوا عفوياً نحو التراث، ويبرز
من بين هذه القلّة، الشاعر مصطفى عكرمة، حيث شُغف بالجانب الروحي، فخصّ
الطفل بديوان شعر إسلامي، هو ديوان " فتى الإسلام " وعمد في أكثر من ديوان
شعرٍ إلى استلهام القيم الخلقية والتربوية والقومية من منظورٍ إسلامي، وهو
في شغفه هذا يُنَحّي التاريخ والتراث جانياً بعض الشيء، إذ لم يضع في
اعتباره خصوصيةً معيّنةً لهما، ولم يخصّهما بقصائد خالصةٍ، فطغتِ العقيدةُ
في شعره على الموضوع والفن معاً، حتى ليمكننا القول إن شعره أشبه بصيحاتِ
النفير التي تنبّه الناس، وتدعوهم إلى الرجوع للمنهل العذب الذي ينبع من
القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، والتمسّك بالقيم التي جاء بها
الدين الحنيف .



ومع أن التراث وشخصياته لم يفرد لهما الشاعر قصائد خاصّة، إلاّ أن هذه
الشخصيات، قد ورد ذكرها في كثيرٍ من القصائد، ففي قصيدة (فجر الفلاح) التي
تمثّل خطّه الشعري العام، نقرأ (13) :


فجرُ عـزّ وصلاح

من هدى الإسلام لاح

فاطمئنوا يـا حيارى

إنه فجـــر الفلاح

حسبنا في الدهـر أنّا

منهــج الحقّ حملنا

( عمرٌ) قد كان منا

(والمثنى) و (صلاح )

وقد يعمد إلى تضمين أبياته معاني بعض الآيات القرآنية، أو ألفاظها كما في قصيدة (وأعدّوا) (14) .

فتعالوا ننسَ أسى الماضي

ونعّد العــــدّة للآتي

أو ليس الله يذكّــرنا

"وأعدّوا " تلقوا مرضاتي ؟

ويكثر عنده الدعاء والتضرع والابتهال :

حين جانبنا هدانا

عزُّنا أمسى هــوانا

ربّنا وفّق خطـانا

في هدى الهادي محمد


ويلتفت إلى الآثار لدى زيارته المتحف، ولكن من الغريب ألاّ تظهر العقيدة
واضحةً في هذه القصيدة الغنائية الجميلة، إذ اكتفى منها بذكر الأجداد
وعظمتهم : (15)


نادانا المتحــف نادانـا

وبأجمل وجـهٍ حيّانـا

في روعــة ماضينا عشنا

وعرفنا منـه ما كانـا

هذي الآثار عشقنــاها

وعشقنا روعـة معناها

ما زالت من قومي ذكرى

عزّت في الدهر بقاياها

...

بالجدّ بناها الأجداد

كي تبقى كنز الآمال

عن جدّ يوماً ما حادوا

فالجدّ أحبّ الأعمال

...

تعبوا أجيالاً واجتهدوا

كي تبقى منهم آثار

فالمتحف ألسنةٌ قالت

دربُ العظاء الإصرار


وسوى الشاعر مصطفى عكرمة، فقد التفت بعض الشعراء إلى التراث العربي
الإسلامي، عن قصدٍ منهم ومن دون قصدٍ، فوردت بعض القصائد التي تنطوي على
روح إسلامية، كالتي صاغها الشاعر "إبراهيم عبد الله إبراهيم " في ديوان "
لآلئ كنعان " وحمل الديوان عنوانها، وتعدّ هذه القصيدة نادرة بين قصائد
الأطفال. نظراً لطولها من جهة، ولتأثّر الشاعر فيها بأسلوب السيرة النبوية
من جهة ثانية، فقد أتى فيها على الجوانب التاريخية، العربية والإسلامية
للسيرة الفلسطينية، ووقف عند رموزها، وأهمّ الأحداث التي صنعت تاريخها
القديم والحديث، فذكرَ العمالقةَ، وبناءَ المدن : ص (14 )


شادوا " أريحا "

أمِّ كل مدينةٍ. .

عرَف البشر

أما اسمها

فهو الجمال

ويعني :

عاشقة القمر. .

وأتت القصيدة على رحلة النبي إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين: ص (23 )

وجاء " إبراهيم " من أرض العراق

لاقاه " كنعان " الوفيّ مردّداً

طاب العناق

كشعاع نور

حلّ إبراهيم في أرض العرب

أجدادُه أجدادُنا

كالشمس لا يخفى النسب


ثم يلتفت الشاعر إلى القرآن الكريم فيلجأ إلى التناصّ مع آية الفداء،
وعمارة البيت العتيق : (يا بُنَيَّ إني أرَى في المنامِ أنِّي أذْبَحُكَ،
فانْظُرْ ماذا تَرَى. قالَ يا أبَتِ افعلْ ما تُؤْمر. سَتَجِدُني إن شاءِ
الله من الصابرين)


[ الصافات. الآية 102 ]

ففي ذات يومِ

بينَ إبراهيم ينعم بالرقاد

فإذا بوحيٍ

شعّ في وجدانه نوراً ينادي :

خذْ ابنك الغالي الوحيدَ

انحرْه في رأس الجبل.. ‍‍‍‍

نهض " الخليل " ملبياً

في الحال للوحي امتثل

نادى ابنه " إسماعيل "

أطلَعه على الحدَث الجلل

فأجابه " إسماعيل " :

اِفعلْ ما أُمرتَ على عجل

همّ " الخليل "

وتلّ " إسماعيل " تلاً للوتين

فأتاه " جبرائيل ُ" يهتف :

جئت بالكبش السمين

هذا الفتى نورٌ

يجدّد كل أمجاد العرب

أنزلّه في في أرض الجدود

وشيّد بيتيَ الأحب


ويأتي الشاعر على (توراة موسى) عليه السلام، وقصة " مريم " وميلاد " عيسى
" عليه السلام، ويخلّد المواقع، ويذكر المدن المقدّسة. . ثم يصل إلى مرحلة
ظهور النبي العربي " محمّـد " صلّى الله عليه وسلم، وتبليغ الرسالة
الإسلامية، ومن ثم رحلة الإسراء والمعراج :


(ص 31 )

وكان يُسمّى :

" الصدوق الأمين "

وكم كان يقصد " غار حراء "

. . أتاه الملاك بآيٍ مبين

- " محمّد "... إِقرأْ

أجاب بخوفٍ :

" أنا لست قطّ من القارئين

فعلّمه الذِكْرَ آياً فآيا

وأردف :

قُمْ بلّغِ الغافلين

محمّد أنتَ نبيٌّ رسولٌ

حباك الإله بأكمل دين

فسارعَ – مني عليه السلام-

فآمن قوم

وآذاه قوم

وكان "اليهود" به ماكرين

وحين تأيّدَ بالعزم حقُّ

تعالى الآذان شجيّ الرنين


إن رحلة الشاعر في الأعماق، من شأنها أن تعمل على نقل الطفل إلى عالم
أثير، يمتزج فيه الديني المقدّس، بالتاريخي الحضاري، مما يولّد حالات من
الحلم والعبق السحري، يساعد على ذلك تمكّنُ الشاعر من فنّه الشعري،
وتماهيه في موضوعه الوطني والقومي، الذي ينمّ عن مشاعره العاطفية المرهفة،
وألفته الحميمة للمكان والزمان ألفة لا تقلّ توقاً وشوقاً عن توق الصوفي
وشوقه، من دون أن يستغرقه ذلك الدخولُ في البعد الديني الصرف. إذ اختزل
الأحداث ووقف على الناضر منها، وكثّف الرموز، وأكثر من الإشارات ذات
الدلالات الموحية، والمعبّرة عن الحقّ في الأرض، إضافة إلى النوازع
الإنسانية في بناء الأرض، وعمارة الكون، وهو الوجه الإيجابي للحضارة
العربية، التي تقف في مواجهة الوجوهُ السلبية ليهود التاريخ، وصهاينة
العصر، الذين يهدمون العمران، ويخربون القيم الإنسانية. وقد كان الشاعر
حاضر الرؤية، متفتّح الوعي. إذ وظّف جميع الأحداث التاريخية. القديمة
والمعاصرة. لصالح القضية الفلسطينية، فشكّلت عالماً نفسياً قائماً على
الرموز والإشارات والتنبيهات، كرمزه لليهود : ص(8)


يُحكى يوماً فحّت أفـعى

نفثت ُسمّاً ومضت تسعى


وهذا ما عمل على توشية التشكيل الأصيل التراثي، بالحداثة، فأضفى عليه
الحيوية المتصاعدة، لأن اعتناق التراث، وتفعيله، وإعادة تأويله وتوظيفه.
يجعل من التراث نفسه غاية، لأنه يستغرق أجيالاً، ويمتدّ إلى ما وراء حياة
المشاركين فيه .


لكن ما يُؤخَذ على مثل هذه القصيدة :

1 – استخدامُ الشاعرِ الألفاظَ التي تُبعد الطفل عن معجمه، مثل (تلّ – الوتين – انحر – ملبياً ..)

وربما كان ذلك بسبب حرص الشاعر على تثبيت اللفظ القرآني، بدوافع دينية وقومية وتعليمية .


2 – الطولُ المفرط للقصيدة الواحدة، مما يؤدّي إلى حرمان الطفل من متعة
الحفظ، لأن القصيدة الطويلة لا تتيح لـه حفظها، واستظهارها، كالقصيدة
القصيرة والمقطوعة. التي تستمرّ في الانتقال معه عبر مدارج العمر .



3 – كثرةُ الألفاظ الكنعانية التي بدت طاغية. فأرغمت الشاعر في النهاية
إلى الشرح والتفسير. ومنها : (جت. جازر. يبوس. خلّ أيل. شكيم. أور السلام.
كريت. أوغاريت. أبيمالك...)



4 – عدم تمكّن الشاعر من التوجّه للصغار بلسان طفلٍ، على الرغم من تمثّل
عالمهم، فظهرت شخصيته، التي تلفّعت – في بعض المواضع – بالفجيعة والحزن
والألم، تندب حظ الأمة العاثر، كقوله : ص (37 )


تحت جناح الليل

والظلم والجهل

تسللت صهيون

وشـرّدت أهلي

الخنجر المسموم

يغوص في جسمي

والغاصب الملعون

ينهـش في لحمي

في البيت والدرب

نعيـش في رعب

نفـر ّ من موت

لكن إلــى نهب


لكن ما يُحمد للشاعر عدمُ غياب الذائقة الطفلية التي تراعي منظومة القيم،
وإحساسُه بحضور الطفولة التي يتوجّه إليها، وكأنه مُتنبّه لصعوبة ما
يُقدّم لها. لذلك عمد إلى تزيّيَن قصيدته الطويلة بالمقطوعات القصيرة،
السهلة الألفاظ. كقولـه تحت عنوان " كتابة على مزهرية كنعانية " داخل
القصيدة الطويلة : ص (19 )


نحبّ القمر

وعطرَ الزهر

ونحيا لنبدعَ

مجدَ البشـر

وتحت عنوان : " كتابة على سرير طفل كنعاني " يقول :

لنا الأرض كالجنّة الرائعه

وأطفالنا الخضرة اليانعه


وإذا كان الشاعر " مصطفى عكرمة " قد خصّ الطفولة بديوان إسلامي مستقلّ،
وإن الشاعر " إبراهيم عبد الله إبراهيم " خصّها بقصيدة متميّزة، فإن
شعراء آخرين لم يُقدِموا على مثل ذلك، ولكنهم – أيضاً - لم ينقطعوا عن
الجوّ التاريخي. العربي الإسلامي ، فتغلغلت ألفاظٌ وعبارات مستمدّة من
القرآن الكريم والسنة الشريفة، لدى جميل سلطان وسليمان العيسى ومحمد
قرانيا ومحمد منذر لطفي وممدوح سكاف وعبد الكريم الكرمي ومعشوق حمزة، وطه
حسين الرحل، وفوّاز حجو، ومصطفى النجّار... وقليل غيرهم .



لقد التفت الشاعر صالح هواري التفاتةٌ سريعةٌ إلى التراث العربي الإسلامي،
في قصيدة (الحصان العربي) (16) فمزج بين الماضي والحاضر، إذ استدعى
الحصانَ من التاريخ، وبينما الأطفالُ أطفالُ العصر، ومعروفٌ أن الخيول
العربية من أجود أنواع الخيول في العالم، وفي الحصان تتمثّل الأصالة، وهو
في الأدب رمز الانطلاق والفروسية والوفاء، ومن فوق ظهره تشابكت السيوف،
وتضاربت الفرسان بالرماح، وفُتحت المدن... والشاعرُ في القصيدة يحاول أن
يعيد الأطفال إلى هذا العالم السحري، عالم المغامرة والبطولة، ويبعث في
نفوسهم حمية الأجداد وعزّتهم، فيهتف


يا أحفاد (ضرار) و (زياد )

تصفيقـاً. تصفيقـاً حـاد

لجوادي ولكل جواد... .

كل خيول العرب أصيلــه

كل خيول العرب أصيلــه


وفي التفاتةٍ صريحةٍ إلى الأخلاق الإسلامية/ الإنسانية، يرسم الشاعر لوحةً
نبيلةً مؤثّرة، لرجلٍ كهلٍ، أحنتِ السنون ظهره، ولم يستطيع عبور الطريق
بعكازته، فيتقدّم منه طفلٌ ويأخذ بيده، إلى جانب الأمان والسلامة، لتبرز
في القصيدة قيمةُ احترام الكبار ومساعدة الضعفاء، ويغتنم الشاعر هذه
اللفتة الإنسانية، فيُذَيّل قصيدته بصورةٍ يستمدّها من القرآن الكريم
(واشتعل الرأس شيباً) ثم يختمها بحكمةٍ يستمدّها من حديثٍ شريفٍ. يقول في
قصيدة (ما أكرم شابّ) (17) :


والشيب يشعل الشعر

والليل يبلغ القمر

نصير أشجاراً

تهبّ الريح فوقها

وبعد أن تشيخ تنحني الغصون

ويذبل الثمر

قال رسول الله، يا بنيّ ما معناه :

ما أكْرَمَ شابٌّ رجلاً لسنّه

إلاّ أتاه الله

من يكرمه عند الكبر


وقد يعمـد بعض الشعراء إلى استدعاء شخصيةٍ عربيةٍ إسلامية، فيستلهمون
سيرتها، أو جزءاً منها، يتضمّن جانياً من الأقوال أو الأفعال والمواقف
التي ميّزتها من غيرها، فيعيد للأصالة نكهتها، ويبعث فيها روح التجدّد
والمعاصرة.



في قصيدة "خالد بن الوليد" (18) تطالعنا منذ البيت الأول، اللهفة العارمة،
لعناق شخصية خالد/ القائـد الذي لم يخسر معركة، فيغدو اسمه على كل شفة،
وتصبح سيرته وساماً على كل صدر :


أبدعَ الحبُّ القصائد

عذبةً تُهدى لخـالد

هي في الثغر ابتهالٌ

وعلى الصدر قلائد

ولعل ما جعل هذه الشخصية ترتسم في الذاكرة، فتتعلّق بها قلوب الكبار والصغار، حَمْلُها رسالةَ السماء، وإيصالها للناس كافة :

أبدعَ الحبُّ الأغاني نغمةً تجلو المعـاني

هي للدنيا (رسالهْ) حملت أسمى الأماني

وإيصال الرسالة لا بدّ له من الاستعداد والقوة، لإرهاب العدو :

وقف الروم حيــارى عند أرتال السرايــا

فعلى (اليرموك) عرسٌ وعلى (الدرب) بقايا


إن القصيدة ترجع إلى التاريخ، تستقرئ أحداثه، فتقف عند الأماكن التي
احتفظت لها الذاكرة العربية الإسلامية بأطيب الذكرى، فهناك (اليرموك)
النهر الذي ابتردت بمائة حوافر خيل المسلمين بعد أن انتصرت على الروم،
وهناك (الشام) التي ساهم خالد في فتحها، وضمّها إلى الجسم العربي، وهناك
(حمص) التي ضمّ ثراها جثمانه، وهناك (الدرب) الذي قدم منه الروم، ومنه
هربوا، وهو الذي ذكره "امرؤ القيس " في بيته المشهور :


بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنّـا لاحقان بقيصـرا


وتُبرز القصيدة شخصيتن، رافقتا مسيرة خالد، هما : (الفاروق) "عمر بن
الخطاب " و " أبو عبيدة بن الجراح " يُطلاّن بقامتيهما المديدتين إلى جانب
قامة خالد... ولعل صورة هذا الجزء من السيرة يكتمل، حين يأتي على ذكر موقف
هذه الشخصيات الثلاث، تجاه فتح دمشق، إذ أمر الخليفة الفاروق بتنحية خالد
عن قيادة الجيش، وتسليم أبي عبيدة زمام الأمور :


إنه ابن الوليــــد عبق المجد التليــــد

أينما ســـار تجلّتْ بسمـة العيش الرغيــد

كان للجيـش (أمينا) يفتح الشامَ الثمينـــا

فإذا (الفاروق) أوحى: " يعتلي (الجرّاحُ) حينا "


وتتجلّى عقيدة خالد الراسخة، ويظهر تفانيه، في موقفه الكبير، حين لا يفرّق
بين مكانةِ قائدٍ، وجندي، مادام يؤدّي رسالته، وهذا ما سعت القصيدة
لتقديمه للأطفال، من نظرة تربوية في الحبّ والولاء والإخلاص، والابتعاد عن
الأنانية، والإيثار، فنسمع خالداً يقول بعد أن يقرأ الكتاب بالتنحية :


قال للأصحاب إنّي : " من جنود المسلمينا "

وحين يكمل خالد ما نذر نفسه من أجله، تستلهم القصيدة آخر كلماته التي أُثِرت عنه، وهو ممدّد على فراشه :

قال للأصحاب :

(حمص) ينتهي فيها رجائي

وعلى جسمـــي ندوبٌ من سيوف الغرباء

وأنا فوق فراشـــــي نائم كالندمــاء

أُسبلُ الجفنَ " فلا نامت عيون الجبنـــــاء "

.. . .


إن الروح الإسلامية سكنت قصائد بعض الشعراء، لكن هذا السكَن لا يعدو – في
عدد من هذه القصائد - أن يكون سَكَنًا عفوياً أقرب إلى النـزوع الفطري،
الذي يستوطن المشاعر العامة للناس البسطاء، ولا يقترب من الفكر
الأيديولوجي الذي يرقى فنياً إلى مرتبة غرس العقيدة، فلا يغوص إلى الجوهر،
مكتفياً بالتهويمات البريئة، والأدعية البسيطة. ففي ديوان " أنشودة المطر
" للشاعر " طه حسين الرحل " همسات عفوية، وهمهمات بريئة، تقترب من
الابتهالات الصوفية، كفاصل " اِسقِ العطاش " : ص (81 و34)


يا لله يا لله يا لله

و :

ربنا يا ربنا

اِملأ خيراً دربنا

واملأ الوديان

والحقل الظمآن

وأنجد العطاش بالمطر

مطر. .

مطر. .

مطر. .

ربنا يا ربنا. .


وفي الديوان الصغير " رحلة صياد " من سلسلة " دوحة النشيد " للشاعر " سليم
عبد القادر " الصادر عن شركة " سنا " في جدّة، ثم عن " دار الحافظ " في
دمشق عام 2002 نقرأ ثماني قصائد. تتألّف كل قصيدة من عشرة أبيات. بينها
بيت واحد، أو أكثر. يضمّ دعاءً، أو توسّلاً ورجاءً، أو شكراً. أو إشارة
غيبية قدرية تنمّ عن التسليم. كقوله في قصيدة " رحلة صياد " :


فيقود الزورق وينادي يا رب، ويمضي في يسر

.. . .

يشكر بهدوء رازقـه وينام، فيحلم بالبحـر

وفي قصيدة " حكاية بحار " القدرية والتسليم المطلق :

ولكن هـذا قدري وهذي قسمة البحـار


وفي قصيدة " قصة طيار" : يغيب عن الطفل منطق التأمّل والتفكّر، وتحلّ
محلّه عفوية التذكّر، خلافاً لمبدأ العقيدة التي جسّدتها الآية القرآنية
الكريمة :



" إن في خلقِ السمواتِ والأرضِِ واختلافِ الليلِ والنهارِ لآياتٍ لأولي
الألبابِ (190) الذين يذكرون اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكّرون
في خلقِ السمواتِ والأرضِ، ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاًَ سبحانَكَ فَقِنا
عذابَ النارِ " (آل عمران191)


يقول الشاعر:

وإن رأت عينـاه الكون من عـلاه

تذكرّ الإلـــه المبـدع الجبّـار

وفي قصيدة " سيرة فلاّح " :

وقلبــه يقول : يـاربِّ يا فتـّاح

وخالقُ العبــاد يهدي له النجاح

وفي قصيدة " أيام عامل " يكتفي بالدعاء والقناعة بالفقر، على الرغم من عمله :

يدعو الله ويرجو أن يمنحه الرزقـا

.. .

يحيا العمر فقـيرا يحيا العمر صبورا

وقناعـة الحسنى تجعلـه مسرورا


ويحالف الشاعرَ الحظُّ في القصائد الثلاث الأخيرة. حيث يجعل مَعْقِد
الرجاء (الله تعالى) مقترناً بالسعي والجهد، وينهيها بالتأمّل والتفكّر.
يقول في قصيدة " لوحة رسام " :


أبدع الله الجمالا يملأ الدنيا جلالا

ينقل الرسّام منه منظراً ينبيك عنه

معجباً من صنع ربّه

وفي قصيدة " أحلام تلميذ " :

ومضـى يقرأ كل كتاب بين يديه في إعجـاب

يطلب من خالقـه عوناً وهو يجدُّ صباح مساء

وفي قصيدة " حياة معلم " :

العلم رسالته الكبرى ما أسمى العلم وأغلاه

أنفق فيه العلم فشكراً وله أجره من مـولاه


من الدواوين التي التفتت كلياً إلى التراث، ديوان " من أجدادي " للشاعر
"صالح هواش المسلط" وقد ضمّ عشر قصائد لعلماء العرب والمسلمين. هي : ابن
خلدون. الكندي. ابن الهيثم. جابر ابن حيان. جدي عباس بن فرناس. ابن سينا.
الفارابي. جدي صلاح الدين. خالد بن الوليد. والشريف الإدريسي. وقد حاول
الشاعر أن يثبت، في كل قصيدة، خصائصَ الشخصية العلمية التي اشتُهر بها
صاحبها، لكن ما يؤسف له أن الديوان ذي الطبعة التجاربة لم يكن يحوي شعراً،
وإنما حوى نظماً تجاوزه الزمان، فضلاً عن أنه يعجّ بالأغلاط العروضية
والنحوية والإملائية، فـ " ابن خلدون " :


أرسي علم الاجتمـاع تتلوه كل البقــاع

و (مقدمة ابن خلدون) لبّ التاريخ المكنون

و " الكندي " :

أبو يوسف يعقوب الكندي

كان جداً أروع جـــد

أمضى عمـراً في التأليف

في ترجمةٍ أو تصنيـــفْ

وله تجربــةٌ علميـــةْ

في الترجمــة للعربيــة





و " الحسن بن الهيثم " :

كان جــدي ابن الهيثم

من علماء العـرب الأقدم

في البصـرة قد عاش تعلّم

وله كتبٌ جد غنيةْ

ورياضيات فلـكيــة

وله كتبٌ في الـهـالات

في شعاع البصــريات





و " جدي جابر بن حيان " :

جدي جابـر بن حيان

من علماء بني الإنسان

أبدع في علم الكيمياء

والمعـادن والأشياء

أما كتاب " الخواص "

فيه النفع لكل الناس

و " جدي عباس بن فرناس " :

جدي عباس الفرناسْ

مغوارٌ مرفوع الراس

فكر يوماً بالطيران

كي يتعلمه الإنسان

و " جدي ابن سينا " :

من أعظم علمـاء الطب

بين الشرق وبين الغرب

وكتاب يدعى " القانون "

كل طبيب به مفتـون

و " جدي الفارابي " :

لي جدٌ يدعى الفارابي موسيقيٌ يا أحبابي

وله كتبٌ في الموسيقا وسلالمها جدّ دقيقة

و " جدي صلاح الدين " :

جدي صلاح الدين مُعطـــر الجبين

ومرّ يــوم أمس على روابي القدس

و " خالد بن الوليد " :

قاد الجيش من العراق

سار به لبلاد الشـام

خاض معركة اليرموك

أروع نصرٍ للإسـلام

و " الشريف الإدريسي " :

جدي الشريف الإدريسي

جغرافي بالتأســـيس

صمم خارطــةً للعالم

بالأبعــاد بالتقييسِ

.. . .

خاتمــــــة:


إن التراث عالمٌ خصبٌ، لا يزال بكراً، ينتظر أقلام المبدعين، ومن اليُسر
تقديمه للأطفال شعرياً من خلال عالمهم الغضّ، وبمفهوماتهم العقلية
والنفسية، وحسب قدراتهم الإدراكية، لغةً وصوراً وموسيقا، وليس شاقّـاً
علينا أن نبعث فيه ما يثير الدهشة والإعجاب، والتشويق، ونحقّق ما نبتغيه
من التحفيز، وتمثّل القيم، وربط الماضي بالحاضر.



وتتجلّى مهمة الشاعر في استلهام التراث على نحوٍ إنساني، يحقّق وجودنا
كأمةٍ لها مكانتها اللائقة في التاريخ، ويؤكد على كل ما هو سامٍ وعصري
حضاري، ومن ثم السعي الحثيث لفكّ الحصار الثقافي، ووقف الاختراقات الخطيرة
التي تهدّدنا داخل بيوتنا، والتي تحاول أن تثبت – في برامج الأطفال
التلفازية بصورةٍ خاصة – من خلال المسلسلات الغربية والأمريكية، أن
العربي، منقطع الجذور عن التراث والتاريخ، وتصوّره كعربيٍ ومسلمٍ، كما
تصوّر الهنودَ الحمر، وتضع في خلد أطفال العالم " أن العرب، وأهل فلسطين
خاصّةً، هم هنود حمر، في هذه المنطقة، وهم بذلك يقيمون مشابهة مفتعلة،
تجعل مجتمع الغرب، يتقبّل إبادة وقتل العرب والفلسطينيين) (19)



إن من شأن التراث أن يُبعد السمومَ عن الطفل العربي، ويمدّه بذخيرةٍ
عربيةٍ وروحيةٍ لا تنفد، وتقدّم إليه زاداً لا ينتهي، تمثّل فيه جميع
القيم المرجوّة، إضافةً إلى أنه مصدرٌ غنيٌ من مصادر ثقافة الطفل العربي،
لا تقلّ موضوعاته أهميةً، إن لم تكن تتفوّق على الموضوعات المعاصرة،
بشخصياتها وأحداثها، فالشخصيات التراثية، شخصياتٌ خارقةٌ إلى حدّ ما،
تتمثلّ فيها العصامية والمثالية، والنبل الإنساني (ما عرف التاريخ فاتحاً
أرحم من العرب) ويمكن أن تتفوّق على الشخصيات المعاصرة التي يصوغها
الحاسوب، وغيره من وسائل التقنية الحديثة، والتي تبدو على جانب من الجفاف
والجفاء، والبعدِ عن الروح، ونظراً لمما يقدمه التراث من غذاء فكري وروحي،
يعمل على تشكيل وجدان الطفل العربي تشكيلاً فريداً من نوعه، يمكن أن نخلص
من ذلك كله إلى نقاطٍ تبيّن أهمية استلهام التراث. تتخلّص فيما يأتي :


1 – أن التراث منبعٌ خصبٌ للخيال .

2 – ويقدّم نماذج من البطولات العربية المشرّفة .

3 – ويحتضن القيم التربوية والمعرفية .

4 – وهو جزءٌ من التراث الإنساني للبشرية .

5 – يجسّد الأصالة، ويرسّخ جمال الماضي وروعته، وحكمته .

6 – ويمكن أن يقدِّم أيضاً مادةً (دراميةً) للعمل المسرحي الشعري للأطفال .

7 – ويُبرز الحاجة إلى الوحدة، والتجمّع حول بطلٍ عربيٍ واحدٍ .


ولا بدّ من إعادة التنويه إلى أن استلهام التراث في شعر الأطفال في سورية
لم يشكل ظاهرة واضحة، إذ تجاهله عددٌ من شعراء الأطفال، في حين وقف عنده
عددٌ آخر، فتنوّعت الوقفات، حيث نجد :


1 – أن الشخصية التاريخية ترد في النصّ بصورة عارضة، لأنها إحدى مكونات الذاكرة الشعرية.

2 – وقد يكون الانطلاق من صفات هذه الشخصية، أو بعض ما عُرفت به إلى المضمون .

3 – وقد يكون اللجوء إلى توظيف فكرة معيّنة لشاعر تراثي .

4 - وقد تكون الشخصية التراثية رمزاً .

5 – وقد تكون هذه الشخصية محور القصيدة.


ومع ذلك فقد ظلّ شعر الأطفال مقصرّاً عن استلهام التراث العربي والإسلامي،
على عكس الشعر العربي المعاصر الذي توّجه للكبار وعُنيّ باستلهام الشخصيات
التاريخية " كما لم يُعْنَ به شعر من قبل، لقد استكشف آفاقه وطاقاته،
وفجّر من خلال النصّ، هذه الآفاق والطاقات، وأعاده إلى ضمير العصر حياً
نابضاً، يتجاوب، أو ينفعل ويعقل به الإنسان " (20)




الإشـــــــارات:

1-ديوان ما زالوا الواحة. سليمان العيسى. ص 91 .

2-عبد
الله أبو هيف .تجربة سليمان العيسى في استلهام التراث العربي. مجلة المعلم
العربي. العدد (3) لعام 1984 ص 143، ويُكثر سليمان العيسى من تصريحاته حول
استلهام التراث- وعلى سبيل المثال – يقول في مجلة الفكر التونسية، العدد
التاسع لعام 1981 إنه تأثر بظلال القرآن الكريم والمعلّقات وشعر المتنبي،
وأن تجربته الشعرية تضرب في أعماق الصحراء .


3-المرجع السابق. ص 147 وتجدر الإشارة إلى أننا دمجنا التراث الشعبي بالأسطوري بالأدبي .

4-سليمان العيسى. كيف تعاملت مع تاريخنا حين كتبت للأطفال. مجلة المعلم العربي. العدد (3) ص 94 .

5-سليمان العيسى. ديوان غنّوا يا أطفال. المجموعة الكاملة. دار الآداب. جزء – 10 – ص 13 بيروت 1987 .

6-ندوة النوري. مكانة التراث في المدرسة الابتدائية. مجلة المعلم العربي. العدد (3) . ص 137 .

7-بيان صفدي. ديوان الأغاني. ص 72 .

8-المرجع السابق. ص 28 .

9-بيان صفدي. ديوان تحيا الشجرة. ص 65 اتحاد الكتاب العرب. بدمشق1997 .

10-محمد قرانيا. ديوان ألعابنا الحلوة. ص 28 .

11-المرجع السابق. ص 64 .

12-المرجع السابق. ص 59 .

13-مصطفى عكرمة. ديوان فتى الإسلام. ص 51. دار الفكر. دمشق 1979.

14-المرجع السابق. ص 29 .

15-مصطفى عكرمة. ديوان أنا وأبي. ص 84. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1996 ,

16-صالح هواري. ديوان هنادي تغنّي. ص 64 .

17-المرجع السابق. ص 57 .

18-محمد قرانيا. قصيدة خالد بن الوليد. مجلة أسامة. العدد 559 ص 3. آذار مارس 1998

19-يعقوب الشاروني. الآثار السلبية لكتب الأطفال المترجمة. مجلة العربي. العدد 359. الكويت 1988 .

20-د. نعيم اليافي. أوهاج الحداثة. ص 81. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1993.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمرزغلول

قسم الشعر والأدب
قسم الشعر والأدب
avatar

البلد : مصر
عضوية رقم : 6821

عدد المساهمات : 108
احترامك لقانون المنتدى :


مُساهمةموضوع: مجهود ضخم   3/3/2010, 12:44

بكل حرف على هذه الصفحة لك
ان شاء الله اجرا وثواب
وكذلك شكرا وتقديرا على
المجهود الضخم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
yahiam2003
عضو اداري
عضو اداري
avatar

البلد : مصر
عضوية رقم : 9100

نقاط التميز نقاط التميز : + 300
+ 100

عدد المساهمات : 3818
احترامك لقانون المنتدى :


مُساهمةموضوع: رد: شعر الأطفال والتراث   3/3/2010, 14:11

عمرزغلول كتب:
بكل حرف على هذه الصفحة لك
ان شاء الله اجرا وثواب
وكذلك شكرا وتقديرا على
المجهود الضخم

شكرا لك على المرو الكريم اخى عمر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمرزغلول

قسم الشعر والأدب
قسم الشعر والأدب
avatar

البلد : مصر
عضوية رقم : 6821

عدد المساهمات : 108
احترامك لقانون المنتدى :


مُساهمةموضوع: مشكور   11/3/2010, 00:22

شكرا لك على المرو اخى الكريم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شعر الأطفال والتراث
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
fannansat :: 

**منتدى المناسبات و الترفيه**

 :: قسم الشعر والأدب
-
انتقل الى: